محمد أبو زهرة

1850

زهرة التفاسير

يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ ( 120 ) [ الأنعام ] ، وغير ذلك . ولذلك يصح أن نفسر كسب الإثم بأن يتحراه وتتدرن به نفسه ، حتى يصير كسبا رديئا لها ؛ وذلك أن الشر إذا ارتكبه الإنسان خط في النفس خطا ، فإذا تكرر ذلك كثرت الخطوط السوداء ، حتى يربد القلب ، وبذلك يكون قد كسب الإثم ، وهو الذنب المبطئ عن الله تعالى . ومن وصل الشر في نفسه إلى هذا الحد ، فإن ذلك الذي اكتسبه لا يعود بالشر ابتداء إلا على نفسه ، لأنه أفسد فطرتها ، وحولها عن طريق الانتفاع بها إلى أركاسها في الشر . وخسارة الشرير في نفسه أكثر من خسارة الناس فيه ، ولأنه يصير من الشذاب الذين تلفظهم الجماعات الإنسانية ، ولأن عذاب الله يستقبله ، ولذا قال سبحانه مهددا بأنه عالم بما يرتكب ، ولو أخفاه ، حكيم ، يضع لكل امرئ ما يستحق ، فلا يتساوى عنده المسىء مع المحسن وهو وحده المتصف بأعلى درجات العلم والحكمة . ويلاحظ في الفرق بين التعبير في الآية السابقة وهذه الآية أمران : أولهما - أنه عبر في الأولى عن مرتكب الشر ب « يعمل » وقد بينا ما فهمناه من ذلك ، وفي هذه الآية عبر ب « يكسب » ، للإشارة التي تدنس النفس بالشر ، واسوداد القلب به ، حتى أربد ، وأصبح لا نور فيه . ثانيهما - أنه لم يعبر عن الشر الذي وقع في الأولى بالاثم ، بل عبر بالسوء أو الظلم للنفس ، وهنا عبر بالإثم المبطئ المبعد عن الله تعالى ؛ لأن الشخص في الحال السابقة قريب من الخير بالتوبة القريبة ، أما هنا فحاله حال من تبطؤ توبته . وقد قال سبحانه في المرتبة الكبرى من الشر : وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً الخطأ هو العدول عن الجهة ، وقد قال في تفسيره الأصفهاني في مفرداته : ( الخطأ العدول عن الجهة ، وذلك أضرب : أحدها - أن يريد غير ما تحسن إرادته ، وهو الخطأ التام المأخوذ به الإنسان ، يقال خطئ